الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
99
نفحات الولاية
فلو كان آدم عليه السلام مجبوراً كيف يؤاخذه الحكيم سبحانه على فعل لم يكن مختاراً في ارتكابه ، كذلك لماذا يندم آدم عليه السلام على ذلك الفعل ويتوب منه ، أم كيف يخرج اللَّه سبحانه من الجنّة بذلك الفعل ؟ كل هذه الأمور تدل على عدم وجود أي تضارب بين العلم الأزلي للَّهسبحانه مع اختيار آدم وسائر أفراد البشر ، ثم قال عليه السلام : « فاهبطه « 1 » بعد التوبة ليعمر الأرض بنسله ، وليقيم الحجة به على عباده » . فبالنظر للعبارة السابقة « أسكنه جنّته » يفهم أنّ هبوط آدم ونزوله لم يكن هبوطاً مكانياً ، بل مقامياً ، أي أنّ اللَّه أهبط آدم من ذلك المقام الرفيع الذي كان عليه لتركه ذلك الأولى . والعبارة : « ليعمر أرضه بنسله » تفيد أنّ هدف كافة الأفراد لابدّ أن يكون إعمار الأرض لا اخرابها با الحروب والقتال والنزاعات والخلافات أو الخمول والكسل والتقاعس عن العمل أو حتى تلويث البيئة السالمة ! والطريف أنّ هذا الاعمار جاء بعد التوبة ، فما لم يتب الإنسان من أخطائه وزلله لا يوفق لهذا البناء والاعمار ، فقد جاء في القرآن الكريم « هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيها فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ » « 2 » . كما يستفاد من العبارة : « فأهبطه بعد التوبة » بأنّ ذلك الهبوط قد حصل بعد التوبة . النقطة المهمة الأخرى في العبارة والتي أشير إليها مراراً في القرآن مسألة اتمام الحجة على العباد . فاللَّه سبحانه وإن زود الإنسان بالعقل ، إلّاأنّه لم يكتف بذلك فواتر إليه كتبه ورسله وأنبيائه والدعاة إلى طاعته - في كل عصر ومصر - ليتم الحجة على العباد ، وهذا ما أورده الإمام عليه السلام في حديثه بين بني آدم وواتر إليهم الأنبياء ليؤدوا رسالات ربّهم ويقيموا عليهم الحجج : « ولم يخلهم بعد أن قبضه ، ممّا يؤكد عليهم حجة ربوبيته ، ويصل بينهم وبين معرفته ، بل تعاهدهم بالحجج على ألسن الخيرة من أنبيائه ، ومحتملي ودائع رسالاته ، قرناً « 3 » فقرناً ؛ حتى تمت بنبينا محمد صلى الله عليه وآله حجته ، وبلغ المقطع « 4 » عذره ونذره « 5 » » ، تفيد بعض
--> ( 1 ) « أهبط » من مادة « هبوط » النزول . ( 2 ) سورة هود / 61 . ( 3 ) « قرن » الزمان الطويل الذي قد يمتد إلى مئة عام ، كما يطلق الجماعة التي تعيش مع بعضها في عصر . ( 4 ) « مقطع » النهاية . ( 5 ) « عذره » و « نذره » ، « العذر » هنا اتمام الحجة على العباد بحيث لا يبقى لهم عذرا للمخالفة ، و « النذر » جمع النذير بمعنى الانذار ، ذكر العواقب السيئة للشئي .